وهبة الزحيلي

70

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وقوله : إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ تعليل للنهي ، أي لا تجأروا فإنه لا ينفعكم آياتِي القرآن تَنْكِصُونَ ترجعون وراءكم ، والمراد : تعرضون مدبرين عن سماع الآيات وتصديقها والعمل بها مُسْتَكْبِرِينَ عن الإيمان بِهِ أي بالتكذيب أو بالبيت الحرام بأنهم أهله وقوامه ، وأنهم في أمن بخلاف سائر الناس في مواطنهم ، والباء على هذا المعنى متعلقة بمستكبرين ؛ لأنه بمعنى مكذبين سامِراً أي جماعة سمّارا ، وهم الذين يتحدثون بالليل حول البيت ، يسمرون بذكر القرآن والطعن فيه تَهْجُرُونَ إذا كان من الثلاثي ( هجر ) أي بفتح التاء : أي تتركون القرآن من الهجر وهو القطيعة ، وإذا كان من الرباعي ( أهجر ) أي بضم التاء : أي تقولون غير الحق في النبي والقرآن ، من الهجر : وهو الهذيان والفحش . أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أي يتدبروا القرآن الدال على صدق النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ليعلموا أنه الحق من ربهم ، بإعجاز لفظه ووضوح مدلوله أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ من الرسول والكتاب ، أو من الأمن من عذاب اللّه ، فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقومون كإسماعيل وأعقابه ، فآمنوا به وكتبه ورسله وأطاعوه أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ بالأمانة والصدق ، وحسن الخلق ، وكمال العلم ، مع عدم التعلم ، إلى غير ذلك من صفات الأنبياء فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ دعواه . أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ أي جنون ، فلا يبالون بقوله ، وكانوا يعلمون أنه أرجحهم عقلا ، وأتقنهم نظرا . والاستفهام للتقرير بالحق ، من صدق النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ومجيء الرسل للأمم الماضية ، ومعرفة رسولهم بالصدق والأمانة ، وأن لا جنون به بَلْ للانتقال جاءَهُمْ بِالْحَقِّ أي القرآن المشتمل على التوحيد وشرائع الإسلام . وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ لأنه يخالف شهواتهم وأهواءهم ، فلذلك أنكروه ، وإنما قيد الحكم بالأكثر ؛ لوجود أناس منهم تركوا الإيمان خشية توبيخ قومه ، لا لكراهته للحق . وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ أي لو اتبع القرآن ما يستهوون ، بأن كان في الواقع آلهة شتى ، أو ما يهوونه من الشريك والولد للّه لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ أي خرجت عن نظامها المشاهد بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ القرآن الذي فيه ذكرهم وشرفهم وفخرهم ووعظهم . خَرْجاً أجرا أو جعلا على أداء الرسالة فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ أي أجره وثوابه ورزقه خير وأبقى وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ أفضل من أعطى وآجر . صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ طريق قويم لا عوج فيه وهو دين الإسلام لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ بالبعث والثواب والعقاب عَنِ الصِّراطِ الطريق لَناكِبُونَ عادلون عن طريق الرشاد ، فإن خوف الآخرة أقوى البواعث على طلب الحق وسلوك طريقه . ضُرٍّ جوع أصابهم بمكة سبع سنين لَلَجُّوا تمادوا فِي طُغْيانِهِمْ ضلالتهم